السيد محمد تقي المدرسي
20
من هدى القرآن
الإيمان بالقيادة لا يثبت بالقول : « قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ » ، إنما يثبت بالعمل ، وليس في واقع المنافقين ذرة من الشهادة بذلك ، بل على العكس تجدهم يحاربون الرسول . وبالمقارنة نجد في الآيتين لفتة لطيفة ، فهناك قال الله : « إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ » ، وهنا قال : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا » أي أنهم حين التظاهر بالشهادة والإيمان هم الذين يتعنون ويجيئون للقيادة ، ولكنهم عند العمل بها يستنكفون عن المجيء رغم دعوة الآخرين وإلحاحهم ، فالشهادة كما يراها الإسلام ليست مجرد التلفظ والقول ، بل هي الشهادة للحقيقة بالقلب والقول والعمل ، ومسيرة المنافقين تناقض ذلك كله . ونستوحي من الآية أن المنافقين كانوا يتعاملون مع الرسول باعتباره قائداً سياسيًّا ، يخشون صولته ، ويطمعون في منائحه ، وليس باعتباره إنسانا ربانيا يوصلهم إلى رب العزة والعظمة ، ولذلك تراهم لا يقبلون حتى استغفاره لهم ، بينما الاستغفار في مصلحتهم ، ويهدف تخفيف ذنوبهم . « وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » وهذا الموقف الجاحد تجاه الرسول ( التمرد والتحدي ) يميز المنافقين عن العصاة الذين لا يلبثون أن يعودوا إلى رشدهم ويستغفروا لدى القيادة . ولعل الصد والاستكبار عن الخضوع للرسول نابع من تشربهم بالقيم الدنيوية واتباعهم مقاييسها في تشخيص القائد الحق ، فالمنافقون وأكثرهم من أهل المدينة ومن أصحاب المال والجاه كانوا يرون الأولى بالزعامة هو ابن بلدهم ( وليس المهاجر من مكة إليهم ) ويشرط أن يكون أكثرهم مالا وولدا ، وليس تلك من صفة الرسول صلى الله عليه وآله فصدوا عنه واستكبروا على قيادته ، وذلك لون من محاربة الله عز وجل ومحاربتهم الوحي مما يجعلهم في صف أعداء الله ، وليس تنفع أعداء الله شفاعة أحد ولو كان حبيبه محمد صلى الله عليه وآله « سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » . ونقرا في هذه الآية عدة أفكار تتصل بموقف الإسلام من قضية الشفاعة : الأولى : أن السعي الذاتي هو الركيزة الأولى لتأثير الشفاعة في مسيرة الإنسان عمليا وفي مصيره عند الله ، حيث إن الشفاعة تُقبل في من يكون أساس مسيرته سليما ، فتشفع له صالحاته ، ويقبل فيه استغفار المقربين ، أما لو كان منافقا أو كافرا أو مشركا فلن يستغفر له المقربون ، ولو فعلوا فإنما يفعلون ذلك بصورة ظاهرة لان المقربين ( الأنبياء والأوصياء ) يرضون بمرضاة الله ويسخطون لسخطه فلا يحبون المنافقين ولا يرغبون في نجاتهم إذا تبين لهم أنهم أعداء الله ، كما أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه قبل أن يتبين له أنه عدو لله فلما تبين له ذلك تبرأ منه . كما إن مجرد استغفار الآخرين لا يحيل المنافق مؤمنا إذا لم يغير هو ما بنفسه ، ولا يغفر الله له إذا لم يستغفر